بقلم: السيد بلال وهبي
كاتب وباحث لبناني في الدراسات الإسلامية
يؤكد السيد بلال وهبي أن القرآن الكريم ما يمنع المسلم من التعلم من الآخرين والاستفادة من تجارب الشعوب. لكن، يرفض أن تتحول الاستفادة إلى تبعية أو فقدان للهوية.
وينطلق في ذلك من قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، والتي وردت في سياق الحديث عن تحويل القبلة. يرى في الآية دلالة تتجاوز سياقها التاريخي إلى قاعدة تربوية وفكرية ترتبط باستقلال الأمة في قرارها وهويتها.
تحويل القبلة.. أكثر من مجرد مسألة عبادية.
جاءت الآية في سياق التحول من بيت المقدس إلى الكعبة، في مواجهة اعتراضات اليهود والمشركين على اتجاه المسلمين في الصلاة.
ويرى الكاتب أن هذا السياق يحمل، بجانب دلالته التعبدية، معنى فكرياً يرتبط بالاستقلال في المرجعية.
فالقرآن، بحسب المقال، لا يريد أمة تحدد خياراتها وفقاً لرضا الآخرين أو اعتراضاتهم، بل يريدها أن تستقيم على ما تراه حقاً في ضوء مرجعيتها الإيمانية.
بين الاستفادة من الآخر والتبعية له.
يشدد وهبي على أن الإسلام لا يدعو إلى الانعزال عن العالم، ولا يمنع المسلمين من التعلم من تجارب الشعوب.
لكن، الفارق هنا، بحسب رأيه، هو الجهة التي تحدد المعيار.
يمكن للمسلم أن يستفيد من علم الآخرين وتجاربهم الحضارية، دون أن يجعلهم المرجع الوحيد لما هو صحيح أو خاطئ.
يقول الكاتب إن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستفادة إلى تقليد أعمى، أو حين تصبح التجربة الخارجية معياراً للحكم على الذات والهوية.
العلم لا يعني التخلي عن الهوية.
ويحذر المقال من الخلط بين التطور العلمي والحضاري وبين استنساخ ثقافة كاملة.
فامتلاك الآخرين للمعرفة أو التقدم في مجالات معينة لا يعني، وفق هذه الرؤية، أن على المسلم التخلي عن قيمه ليستفيد من تلك التجارب.
كما أن تقديم كل ما يأتي من الخارج كأنه «تقدم»، ووصف ما يختلف بأنه «تخلف»، قد يزرع شعوراً بالنقص لدى الأجيال.
الهوية ليست عزلة عن العالم.
يربط الكاتب بين تحويل القبلة ومفهوم الأمة ذات المرجعية الخاصة، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
ومن هذا المنطلق، يرى أن امتلاك هوية دينية وثقافية مستقلة لا يعني الانغلاق، بل يعني الانفتاح الواعي الذي يسمح بالتفاعل مع الآخر دون الذوبان فيه.
فالأمة التي تمتلك تصوراً خاصاً للإنسان والحياة والقيم تستطيع أن تستفيد من الآخرين، وفي نفس الوقت تحافظ على قرارها وخصوصيتها.
لا تجعلوا رضا الآخرين معياراً.
ويخلص وهبي إلى أن المشكلة ليست في التعلم من الآخر، بل في منحه سلطة تحديد الهوية والمعايير والقيم.
المطلوب، بحسب المقال، هو بناء علاقة متوازنة مع الآخر تقوم على الاستفادة والحوار والندية، بعيداً عن الانبهار أو التقليد الأعمى.
ويؤكد أن الأمة التي تحافظ على مرجعيتها تستطيع أن تنفتح على تجارب العالم من دون أن تفقد شخصيتها، وأن تقدم نموذجاً حضارياً خاصاً بها.
الخلاصة.
التعلم من الآخر قوة، أما التبعية ففقدان للقرار. لذا، فإن الانفتاح الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية، بل يعني القدرة على اختيار ما ينفع ونقد ما لا يتوافق مع القيم، والاستفادة من تجارب الآخرين بعقل واعٍ ومرجعية مستقلة.