كلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام وتشغيل الخدمات، ازدادت الحاجة إلى بنية تحتية ضخمة خلف الكواليس. فالنماذج التي تبدو للمستخدم مجرد برامج تعمل على الشاشة، تعتمد في الواقع على مراكز بيانات تضم آلاف الخوادم والمعالجات، وتحتاج إلى كميات متزايدة من الكهرباء والمياه ومساحات واسعة من الأراضي.
ومع تسارع غوغل في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، يطرح هذا التوسع سؤالا يتجاوز حدود التطور التقني، ويتعلق بالتكلفة البيئية للسباق نحو حوسبة أكثر قوة.
كما تستثمر شركات التكنولوجيا الكبرى مليارات الدولارات في مراكز البيانات لمواكبة الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي التوليدي والخدمات السحابية، وتعد غوغل من أبرز الشركات التي توسع هذه البنية بالتوازي مع تطوير نماذج "جيميناي" ورقائق "TPU" المخصصة لأحمال الذكاء الاصطناعي.
حين تحتاج السحابة إلى أرض
قد يوحي مصطلح الحوسبة السحابية بعالم رقمي غير ملموس، إلا أن تشغيل هذه الخدمات يتطلب منشآت ضخمة على الأرض. فمراكز البيانات تحتاج إلى مبان واسعة ومحطات كهرباء وأنظمة تبريد وشبكات ألياف ضوئية، إلى جانب طرق ومنشآت مساندة، ما يجعل اختيار مواقعها قرارا له آثار تتجاوز حدود المبنى نفسه.
وفي فنلندا، أعلنت غوغل خططا لاستثمار 13 مليار يورو، أي نحو 14 مليار دولار، في البنية التحتية الرقمية خلال عامي 2026 و2027، في توسع يشمل مراكز بيانات ومشروعات للطاقة، بهدف تلبية الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
أما في منطقة فالا الفنلندية، تمتلك الشركة مئات الهكتارات من الأراضي التي يمكن استخدامها لتوسعات مستقبلية لمركز البيانات، في وقت أعلنت فيه أيضا مبادرات لاستعادة الغابات وتحسين التنوع الحيوي في المنطقة.
من الأرض إلى الكهرباء
لا تنتهي التحديات البيئية ببناء مراكز البيانات، إذ تحتاج آلاف الخوادم والمعالجات إلى كميات كبيرة من الكهرباء، خصوصا مع تدريب النماذج الكبيرة وتشغيلها لخدمة ملايين المستخدمين.
وتقول غوغل في تقريرها البيئي إن الشركة وقعت خلال عام 2025 اتفاقيات للحصول على أكثر من 12 غيغاواطا من الطاقة النظيفة، في محاولة لمواكبة الطلب المتزايد على الكهرباء وتقليل الانبعاثات المرتبطة بعملياتها.
كما تشير الشركة إلى تحسن كفاءة مراكز بياناتها، وإلى أن التطور في الرقائق والبنية التحتية مكّنها من توفير قدرة حوسبية أكبر باستخدام طاقة أقل مقارنة بالأجيال السابقة.
لكن ارتفاع الكفاءة لا يعني تلقائيا انخفاض الأثر البيئي، فكلما أصبحت الحوسبة أكثر كفاءة، انخفضت تكلفة تشغيل الخدمات، وهو ما قد يشجع على استخدامها على نطاق أوسع، وبالتالي يمكن أن تتراجع الطاقة المطلوبة لكل عملية، بينما يرتفع عدد العمليات والخدمات بما يؤدي إلى زيادة الاستهلاك الإجمالي.
وهنا تظهر إحدى أبرز مفارقات سباق الذكاء الاصطناعي: كفاءة أكبر لكل وحدة حوسبة مقابل طلب متزايد على الحوسبة.
المياه.. تحد آخر أمام مراكز البيانات
إلى جانب الكهرباء، تحتاج مراكز البيانات إلى موارد مائية لتبريد الخوادم والمعالجات التي تنتج كميات كبيرة من الحرارة أثناء التشغيل.
وتقول غوغل إن أنظمة التبريد القائمة على المياه يمكن أن تكون أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة من بعض أنظمة التبريد الهوائي، إلا أنها تثير في المقابل تساؤلات حول البصمة المائية، خصوصا في المناطق التي تعاني من شح المياه.
ولهذا تقول الشركة إنها تختار تقنيات التبريد وفقا للظروف المحلية، وتستخدم المياه المعاد تدويرها في بعض المواقع، إلى جانب الاستثمار في مشروعات تهدف إلى دعم الأحواض المائية وتعويض جزء من استهلاكها.
مشروع الهند يكشف حجم التوسع
وتظهر أبعاد هذا التوسع في الهند، حيث تشارك غوغل مع "مجموعة أداني" المتخصصة في مجال الطاقة في مشروع ضخم لمركز بيانات بولاية أندرا براديش.
وتشير تقارير صحفية إلى أن المشروع قد تصل قدرته إلى نحو 2.5 غيغاواط، وهو رقم يعكس حجم الطاقة التي قد تحتاج إليها مراكز البيانات الحديثة مع توسع خدمات الذكاء الاصطناعي.
الطاقة النظيفة أمام اختبار التوسع
تحاول غوغل الحد من الآثار البيئية لتوسعها من خلال زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، وتحسين كفاءة مراكز البيانات والرقائق، إلى جانب الاستثمار في مشروعات بيئية.
لكن الاعتماد على الطاقة النظيفة لا يلغي جميع الآثار البيئية، فإنتاج هذه الطاقة ونقلها يحتاجان بدورهما إلى بنية تحتية، كما أن إنشاء مركز بيانات جديد يتطلب الأرض والمياه والمواد الخام ومعدات التبريد وشبكات الاتصالات.
لذلك، فإن قياس الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بالانبعاثات الناتجة عن تشغيل الخوادم، بل يشمل دورة البنية التحتية بأكملها، بدءا من تجهيز الأرض وبناء المنشأة، وصولا إلى إنتاج الرقائق وتشغيلها والتخلص منها.
الذكاء الاصطناعي أمام مفارقته البيئية
تقدم غوغل الذكاء الاصطناعي أيضا باعتباره أداة يمكن أن تساعد في مواجهة تحديات بيئية، مثل تحسين كفاءة شبكات الطاقة، ومراقبة الغابات، والتنبؤ بالظواهر المناخية، ودعم جهود الحفاظ على التنوع الحيوي.
ومع استمرار غوغل ومنافسيها في بناء مراكز بيانات جديدة، لا يقتصر التحدي على جعل الخوادم أكثر كفاءة، بل يمتد إلى ضمان ألا تؤدي الزيادة الكبيرة في حجم الحوسبة إلى تقليص المكاسب البيئية التي تحققها هذه الكفاءة.