يسلط الباحث اللبناني في الدراسات الإسلامية السيد بلال وهبي الضوء على حقيقة الانسان والتمييز بين المصلح والمفسد، مستندا الى قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴿سورة البقرة: 220﴾.
ينطلق الحديث من هذا المقطع من الآية الكريمة التي تتناول التعامل مع اليتامى ورعايتهم والعناية بهم، وتؤكد أهمية إصلاح شؤونهم وتربيتهم ومخالطتهم ومعاملتهم بما يحقق مصلحتهم، مع التمييز بين من يقصد الإصلاح فعلًا ويسعى إلى رعايتهم، وبين من يستغل وصايته عليهم للاكل من أموالهم. وفي ختام الآية يأتي المعيار الحاسم: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾؛ فليس المهم ما يظهره الإنسان من دعوى الصلاح، وإنما حقيقة قصده وعمله، والله سبحانه أعلم بها.
ومن هنا ننطلق للحديث عن قاعدة أوسع في معرفة حقيقة الإنسان والحكم على صلاحه وفساده، فليس كل من ظهر في صورة الصالحين صالحًا، وليس كل من وقع في خطأ أو التبس عليه أمر فاسدًا. وبين الظاهر والباطن، وبين النية والنتيجة، وبين ادعاء الصلاح وحقيقته، تقوم مسؤولية الإنسان أمام الله، ويقوم كذلك واجب المجتمع في التثبُّت والإنصاف.
فالصلاح ليس لقبًا اجتماعيًا، ولا شهادة تمنحها الجماهير. إنه حقيقة أخلاقية وروحية وعملية، تقوم على صدق النيَّة وصحة العمل وسلامة الأثر. والله وحده هو الذي يعلم حقيقة الإنسان؛ يعلم ما تخفيه الصدور، وما تنطوي عليه النيات، وما وراء الكلمات والمواقف.
بين الثناء والصلاح الحقيقي
صحيح أن الإمام علي(ع) يقول: "وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ". لكن الله تعالى هو الذي يجري الثناء على ألسنتهم، وهذا من أثر الصلاح الحقيقي، فالصالح حقيقة يجعل الله له في قلوب عباده وِدًا، ويُطلِق ألسنتهم بالثَّناء عليه، فالحكم النهائي راجع إلى علم الله، هو الذي يعلم الصالح والفاسد واقعًا. لكن هذا لا يعني أن الإنسان ممنوع من التمييز أو النقد، بل يعني أن أحكامه ينبغي أن تبقى في حدود ما يظهر له من الأدلة، وألا تتحوَّل إلى ادعاء امتلاك علم البواطن أو إصدار أحكام قطعية على السرائر.
وصحيح أيضًا أن الإنسان على نفسه بصيرة، وأنه قادر على أن يراجع موقفه ويدرك قدرًا من خطئه وصوابه، وصدقه وانحرافه، ولو لم يكن قادرًا على شيء من ذلك، لما كان للتكليف والمحاسبة واللوم والتوبة ذات معنى. غير أن مسؤولية الإنسان عن نفسه لا تعني أن بصيرته بذاته وبأفعاله مكتملة أو معصومة من الخطأ؛ فقد يرى الإنسان نفسه على حق وهو مخطئ، وقد يظن أنه مخلص وهو متأثر بمصلحة أو هوى لا ينتبه إليهما.
تحول الوهم الى حقيقة
قد تختلط على الإنسان المفاهيم، أو تتداخل عنده المصالح مع المبادئ، أو تؤثِّر فيه البيئة والجماعة والانتماءات، أو تجتاحه الظنون حتى يرى الباطل حقًّا، والخطأ صوابًا، والأنانية تضحية، والتعصب دفاعًا عن الدين.
وقد لا يكون هذا الالتباس ناتجًا عن سوء نية، بل عن قصور في المعرفة، أو ضيق في الرؤية، أو انفعال شديد، أو ثقة زائدة بالنفس. ولذلك يحتاج الإنسان إلى ما يصحح بصيرته، يحتاج إلى العلم، والنصيحة، والمراجعة، ومشاورة أهل الخبرة، والتدبُّر في العواقب، والاعتراف بالخطأ، فإن أخطر ما يصيب الإنسان بل أن يفقد القدرة على اكتشاف خطئه؛ أن يتحول الوهم عنده إلى يقين.
حين يتحول الباطل الى خطاب للصلاح
هناك صورة أخرى أشد خطرًا مما سبق: أن يعرف الإنسان أنه على باطل، لكنه يتقِن تقديم نفسه للناس بوصفه من أهل الحق والصلاح. فقد يعلم الظالم أنه يظلم، لكنه يسمي ظلمه حزمًا. وقد يعلم المستغِلُّ أنه يأكل حق الضعيف، لكنه يسمي ذلك إدارةً أو مصلحةً عامة. وقد يعرف المتعصِّب أنه يرفض الحقيقة لأنها لا توافق جماعته أو مذهبه، لكنه يصف موقفه بالثبات على المبدأ. وقد يتعمد الإنسان إخفاء غايته الحقيقية خلف خطاب ديني أو أخلاقي أو إصلاحي.
ولذلك لا ينبغي أن يكون معيار الحكم على الإنسان كثرة ادعائه، ولا ارتفاع صوته، ولا انتسابه إلى جهة محترمة، بل ينبغي النظر إلى نيته، ومنهجه، وسلوكه، والنتائج التي تترتب على أفعاله.
وإذا كانت مشيئة الله أن يكون الناس صالحين، وأن تقوم حياتهم على الصلاح، فلا بد أن يميز سبحانه بين المصلح والمفسد، وألا يستويا عنده، ومحال أن يستويا عنده. لكنه سبحانه قد يؤخر مجازاة المفسد، مما قد يؤدي إلى اختلاط الأمر على الناس، غير أن ذلك لا يعني أن الحقيقة ضاعت أو أن المفسد نجا بفساده؛ فعلم الله يحيط بنوايا الناس وبواطنهم، ولذلك لا يمكن أن يستمر التزييف إلى ما لا نهاية.