بحضور علمائي ورسمي وأكاديمي وشعبي حاشد، نظّم المركز الإسلامي الثقافي – مجمع الإمامين الحسنين (حارة حريك – بيروت) ندوة فكرية قرآنية بمناسبة إطلاق سماحة العلّامة السيّد علي فضل الله للمجلّدَين الأوّلَين من موسوعته التفسيرية «على هدي التنزيل»، في لقاءٍ علمي وثقافي شكّل محطة بارزة في مسار الدراسات القرآنية المعاصرة.
افتُتحت الندوة بتقديم وإدارة من سماحة الشيخ عباس حلال، الذي أكّد في كلمته أهمية العمل التفسيري في إبقاء القرآن الكريم حاضرًا في وعي الأمّة وحركتها، مشيرًا إلى أنّ التفسير ليس مجرّد جهد معرفي، بل مسؤولية رسالية تربط النصّ الإلهي بواقع الإنسان وتعزز دوره في بناء الفكر والسلوك.
وألقى كلمة المركز الإسلامي الثقافي، راعي الاحتفال ومُصدر المجلّدَين، السيّد شفيق الموسوي، مرحّبًا بالحضور ومشدّدًا على أنّ هذا المشروع يأتي في إطار رسالة المركز في خدمة القرآن الكريم، ودعم المشاريع التفسيرية الجادّة التي تعزّز حضور القرآن في الوسطين العلمي والثقافي.
الدكتور محمد خليل طراف: التفسير مشروع حياة وبناء ووعي
افتتح الدكتور محمد خليل طراف، مقرّر التفسير ومنسّقه، والقائم على صياغة الموسوعة، مداخلاته مؤكدًا أنّ الحاجة إلى تفاسير جديدة للقرآن الكريم ليست رفضًا للتراث أو تهميشًا لجهود المفسرين السابقين، بل تعبير عن جدلية العلاقة بين الإنسان الثابت في كينونته والواقع المتغير الذي يفرض أسئلة جديدة. فالقرآن ثابت في قدسيته، لكنه حيّ في دلالاته، ويتطلّب قراءة متجددة تتيح للإنسان التواصل مع النص مباشرة لا مجرد استيعاب نظري.
وأشار الدكتور طراف إلى أنّ هذا التفسير لم ينطلق كمشروع تأليفي مسبق، بل نشأ من ستة عشر عامًا من الدروس التفسيرية الأسبوعية التي ألقاها سماحة السيّد علي فضل الله، حيث تراكمت التجربة عبر الحوار والأسئلة والتفاعل المباشر مع الطلاب والمهتمين بالقرآن، ما أسهم في بلورة رؤية تفسيرية تربوية متكاملة. وأوضح أنّ هذا المشروع يسعى إلى ربط النصّ القرآني بالواقع وتحويل المعرفة إلى فعل، والإيمان إلى موقف عملي، ليصبح التفسير وسيلة لبناء الإنسان الرسالي القادر على تحمل المسؤولية وتطبيق القيم القرآنية في حياته اليومية.
وأكد د. طراف أنّ «على هدي التنزيل» يتجاوز حدود شرح المعاني أو التأويل النظري، ليصبح أداة تربوية متكاملة تربط بين الفهم والسلوك، وتحوّل القراءة القرآنية إلى تجربة حياتية ملموسة، قادرة على تشكيل الوعي الفردي والاجتماعي وصناعة الإنسان القادر على مواجهة تحديات العصر بروح القرآن.
سماحة الشيخ الدكتور بلال الملا: أسباب النزول وعمق المنهج التفسيري
تحدّث سماحة الشيخ الدكتور بلال الملا عن منهجية التفسير عند سماحة السيّد علي فضل الله، مسلطًا الضوء على أهمية أسباب النزول باعتبارها مفاتيح لفهم السياق القرآني، وليس كمجرد أحداث تاريخية، بل لفهم السنن الإنسانية والدروس المستفادة منها في الواقع المعاصر. وأكد أنّ هذا التفسير يوازن بين استلهام التراث والانفتاح على أسئلة العصر، لتقديم فهم متكامل يعكس البعد التربوي للقرآن الكريم في حياة الإنسان.
وأشار الشيخ الملا إلى أن هذا المنهج يربط بين النصّ والواقع، ويعيد القرآن إلى مركز الحركية والتربية العملية، بحيث تصبح القراءة القرآنية ليست مجرّد فهم نظري، بل مشروع حياة متكامل يربّي الإنسان ويؤهّله لمواجهة تحدياته اليومية وفق قيم القرآن.
الدكتور الشيخ خنجر حمية: التفسير أداة لصناعة الإنسان الحركي
ثمّ قدّم الدكتور الشيخ خنجر حمية مداخلة ركّز فيها على البعد التربوي والحركي للتفسير، مؤكّدًا أنّ التفسير لا ينبغي أن يبقى حبيس المعرفة النظرية، بل يجب أن يسهم في صناعة الإنسان الحركي القادر على تحمل مسؤولياته وتحويل القيم القرآنية إلى سلوك عملي. وأوضح أنّ هذا النوع من التفسير يعيد تشكيل وعي الإنسان، ويحوّل القرآن إلى مشروع حياة ملموسة، يعكس علاقة النصّ بالواقع ويجعل القيم القرآنية حيّة في كل تصرّف وسلوك.
سماحة العلّامة السيّد علي فضل الله: التفسير ثمرة تجربة حيّة وتجربة رسالية
ألقى سماحة العلّامة السيّد علي فضل الله كلمة شاملة توجّه فيها بالشكر إلى المركز الإسلامي الثقافي والحضور والمشاركين، مؤكدًا أنّ هذا التفسير لم يكن مشروعًا لإصدار كتاب فقط، بل نتاج تجربة عملية طويلة بدأت كدروس تفسيرية أسبوعية، تهدف إلى التفاعل المباشر مع القرآن وفهمه في ضوء الحياة الواقعية، بعيدًا عن الانعزال الأكاديمي أو القراءة النظرية فقط.
وأوضح أنّ المشروع جاء تحت إشراف وتوجيه المرجع السيّد محمد حسين فضل الله، الذي شجّع كل مفسّر على أن يصنع تجربته الخاصة مع القرآن، مع الاحتفاظ بالأصالة والرصانة العلمية. وأضاف أنّ التفاعل المباشر مع الحضور خلال الدروس، وما شهده من أسئلة وإشكالات، ساهم في صقل هذا التفسير وإخراجه بصيغته النهائية، مؤكدًا أنّ الهدف الأسمى هو أن يكون القرآن حاضرًا في حياة الإنسان، مرشدًا وسندًا لبناء الوعي والفكر والسلوك، وصناعة الإنسان الرسالي الحركي.