ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بوصيّة الإمام الحسن العسكريّ عندما قال: "إِنَّكُمْ فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَنْفَاسٍ مَحْسُوبَةٍ، فكلّ يوم يَمْضِي يغادرنا رصيد عمرنا ولن يَعُود.
والْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً، هو لا يستأذن صغيرًا ولا كبيرًا، ولا صحيحًا ولا سقيمًا ولم يستأذن حتّى الأنبياء. فكم إنسان أصبح يظنّ أنّه يدرك المساء فلم يدركه، وكم من مؤمّل للغد لم يُمهل إليه.
فلنغتنم أعمارنا قبل انقضائها، ولنبادر إلى التّوبة، ونصلح ما بيننا وبين ربّنا، وما بيننا وبين النّاس، فنردّ المظالم ونؤدّي الحقوق. فطوبى لمن استعدّ للقاء ربّه، وكان جاهزًا لأن يدعى إليه، قبل أن يأتي يوم يتمنّى فيه ساعة واحدة يعود فيها، فلا يجد إلى الرّجوع سبيلًا، وقبل أن يأتي اليوم الّذي يقال لنا أن لا عمل فيه وتحاسب كلّ نفس على ما قدّمت...
{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} {تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ}. ومتى وعينا ذلك نكون أكثر وعيًا ومسؤوليّة وقدرة على مواجهة التّحدّيات.
والبداية، من الاعتداءات الإسرائيليّة الّتي لا تتوقّف للقرى والبلدات القريبة من مواقع احتلال العدوّ، فيما تستمرّ بوتيرة عالية التّفجيرات الّتي تطاول المباني والمؤسّسات والبنى التّحتيّة في المناطق الّتي احتلّها بهدف تيئيس أهلها ومنعهم حتّى من التّفكير بالعودة إليها. بعدما اعتبرها منطقة أمنيّة له، وأنّه لن يتنازل عنها، وإن تنازل فهو يريد ذلك بشروطه لا بشروط تضمن تحقيق ما يصبو إليه اللّبنانيّون من سيادتهم على أرضهم.
وهنا نجدّد ما قلناه من دعوة الدّولة اللّبنانيّة المعنيّة بالسّيادة على كلّ أراضيها وعدم التّفريط بأيّ حبّة تراب من هذا الوطن، أن لا يكون صوتها خافتًا بمواجهة ما يجري، أن ترفع صوتها لإيقاف هذا النّزيف حتّى لا يستمرّ، فيما نريد للّبنانيّين أن يكونوا أكثر وعيًا، أن لا يقعوا في فتنة يسعى إليها العدوّ. بأن يكون قرارهم واحدًا في مواجهة ما يهدف إليه العدوّ ومخطّطاته وأن لا يسمحوا له بالعبث بوحدتهم الدّاخليّة وأن يعوا أنّ العدوّ لا يعمل لحساب أيّ منهم.
فيما نعيد التّأكيد على الدّولة أن تلتفت جيّدًا إلى معاناة النّازحين من أرضهم ممّن فقدوا بيوتهم وأراضيهم ومواقع عملهم، بأن تبذل كلّ جهودها لتأمين متطلّبات حياة كريمة يستحقّونها بحيث يشعرون باحتضان دولتهم لهم، وأن لا تضطرّهم كما شهدنا بأن يرفعوا أصواتهم للمطالبة بهذه الحقوق الّتي ليست منّة منها.
في هذا الوقت، تزداد معاناة اللّبنانيّين بعد تفاقم الوضع المعيشيّ الّذي يعانون منه بفعل الغلاء الفاحش وارتفاع كلفة تأمين احتياجاتهم على صعيد المواد الغذائيّة وأقساط المولّدات والكهرباء والماء والمحروقات والتّعليم والنّقل والطّبابة والاستشفاء، فيما تتفشّى بنسبة عالية البطالة، وتتدنّى رواتب العاملين في المؤسّسات العامّة أو الخاصّة رغم الزّيادات الّتي أعطيت لهم، ما يدعو الحكومة بكلّ أجهزتها أن تستنفر جهودها لإيجاد الحلول الكفيلة لضمان حياة كريمة للمواطنين، وأن لا تدفعها الثّقة الّتي حصلت عليها في المجلس النّيابيّ إلى الاستكانة والتّخفّف من أعباء الملفّات المتراكمة، بل أن تكون دافعًا لها إلى تفعيل دورها وإعادة النّظر بكلّ ما يثقل كاهل النّاس ويزيد الأعباء عليهم.
ونصل الى جلسة المجلس النّيابيّ، الّتي كنّا نأمل أن تبقى في إطار الغاية الّتي وجدت من أجلها، بأن يسمع اللّبنانيّون من ممثّليهم ما يصوّب مسار الحكومة لدفعها إلى معالجة مشاكل وهموم النّاس وتحقيق آمال من يمثّلونهم، إن على صعيد ما يجري في الدّاخل أو ممّا يتعلّق بمسؤوليّتها في مواجهة العدوان الإسرائيليّ ومخطّطاته بحقّ هذا البلد، وأن لا نشهد ما شهدناه داخل أروقة المجلس ممّا أساء إلى صورة المتساجلين على صعيد الخطاب أو في أسلوب التّعامل مع القضايا الّتي تهمّ المواطنين ومع قضايا مصيريّة تتعلّق بأمن الوطن وسيادته ومصيره. وممّا يسهم في زيادة الشّرخ الحاصل بين اللّبنانيّين ويزيد من هواجسهم في وقت هم أحوج ما يكون إلى تعزيز أواصر الوحدة فيما بينهم.
ولهذا نقولها للمسؤولين رأفة بهذا الوطن وباللّبنانيّين، أحسنوا الخطاب وأحسنوا الأسلوب، وكونوا أحرص ما يكون على قضايا النّاس وآلامهم وآمالهم وعلى وحدتهم، إنّ من حقّ كلّ نائب أو مسؤول أن يبدي رأيه وما يراه صالحًا لهذا البلد لكن بالكلمة الأحسن، الّتي تصل إلى الآخر لا الّتي تستفزّه وتستفزّ الفئة الّتي يمثّلها، وأن يصغي كلّ إلى الآخر لا أن يصمّ أذنه عنه لحساب فكرته.
وأخيرًا نتوقّف عند ما تشهده المنطقة ممّا يجري في اليمن، لندعو إلى إيقاف نزيف الدّم والدّمار والعودة إلى لغة الحوار بما يضمن للشّعب اليمنيّ حريّته وحقوقه المشروعة ورفع الحصار عنه في إطار حسن الجوار والتّعاون مع محيطه فهذا هو الطّريق الّذي نراه كفيلًا بتحقيق الاستقرار الّذي نتطلّع إليه في المنطقة والحؤول دون اتّساع الصّراع والتّدخّلات فيها.